السبت، 4 مايو 2019

هل كانت المُعارضة ضحية للأزمة السعوإماراتية – القطرية


الحقيقة أنني ترددت كثيراً قبل كتابة هذا المقال بسبب عدم رغبتي في إثارة النقع وإغضاب بعض إخوتنا من المُعارضين لآل سعود سواء كانوا مُخضرمين أو أعضاء جُدد, لأن لكل فرد منهم له أسلوب عمل مُختلف وطريقة ونهج خاص به, ومن الصعب أن تلزمه أو تجعله يستمع إليك أو ينصت لنصيحتك في هكذا مواضيع حساسة يعتبرها البعض "قرارات سيادية" وشأن خاص وشخصي, ولهذا سيكون مقالي استفزازي للبعض وهو أشبه بعملية النَكشْ في عِش الدبابير. ولا بأس فلا بد من المُصارحة أحياناً لكي نتخطى العثرات ونتغلب على الإخفاقات ولعلنا نجد وسيلة للاتفاق والتفاهم على الخطوط العامة.

لكن لا بد أولاً من التعريج قليلاً على المصاعب والمُعرقلات التي تواجه الفئات المُعارضة للنظام السعودي بكافة أطيافها وتوجهاتها, وكل من يجهل تلك الظروف والمُضايقات والعوائق التي ستواجهه حينما سيُقرر مُعارضة آل سعود, فهو قطعاً إما مُغيب أو شخص حالم, والأمر نفسه ينطبق على كثير من الإعلاميين والمُهتمين بالشؤون الدولية, بل وحتى المُتابعين العاديين وخاصة من العرب ممن يظنون أن ظروف المُعارضة "السعودية" تشبه بقية المُعارضات العربية الأُخرى, وربما ظروفهم أحسن بكثير من البقية, فهؤلاء أيضاً يجهلون الواقع الحقيقي لتلك المُعارضة ويتجاهلون الدور السعودي المالي النافذ في العالم وتأثيره على الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا وفرنسا. إذن لا بد من إزالة ذلك الغبش عن عيون البعض لتتضح الصورة لديهم.

أولاً: استطاع النظام السعودي خلال الخمسة عقود الماضية أن يضمن سكوت الدول العظمى من خلال سياسة البترودولار وإبرام عقود المليارية لصفقات الأسلحة الفاسدة ودفع الرشا والكوميشن, وبهذا أصبح ما يُسمى بـ"العالم الحُر" لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم أمام التجاوزات السعودية والمُمارسات غير الإنسانية في حق المواطنين والأجانب داخل المهلكة السعودية.
وبعدها قام النظام السعودي بإسكات وسائل الإعلام الغربية عن طريق دفع الرشاوى واستئجار الإعلانات المدفوعة الثمن لضمان صمت كبريات الصحف والقنوات التلفزيونية الغربية, ثم بدأ بشراء ذمم الإعلاميين والصحفيين الأجانب من خلال دعوتهم لزيارة السعودية وإقامتهم على حساب الدولة, ثم منحهم الشيكات المالية والهدايا القيمة, وبهذا أصبح الإعلام الغربي يدور في فلك النظام السعودي "بخشم الريال" كما يتبجح آل سعود.

ثم استطاع النظام السعودي لاحقاً الاستحواذ على أغلب وسائل الإعلام العربية من خلال التملك والتمويل وشراء الذمم, فأصبحت أغلب وسائل الإعلام العربية المرئية والمقروءة والمسموعة تحت السيطرة السعودية, ولا يمكنها أن تتطرق لأي خبر يمس بآل سعود, وبهذا سيطروا على المنابر الإعلامية ومن ثم حرمان المُعارضين للنظام السعودي من إيصال أصواتهم من خلال الإعلام.

وأبسط مثال على ذلك هو ما حدث لقناة البي بي سي البريطانية العربية التي قامت في منتصف التسعينيات باستضافة المُعارض الدكتور محمد المسعري, فغضب فهد بن عبد العزيز الملك في ذلك الحين, وتم سحب التمويل السعودي من تلك القناة الإخبارية البريطانية فأفلست بعد بضعة أشهر, ثم قامت قطر بشراء تلك القناة المُفلسة مع كادرها الإعلامي, وأقامت على رفات البي بي سي العربية قناة الجزيرة الفضائية عام 1996م.


والأهم من هذا كله أن آل سعود نجحوا خلال الأربعة عقود الأخيرة بتحييد الجاليات العربية والإسلامية في بلاد المهجر لخشيتهم من نشاطات تلك الجاليات كونهم يعيشون في بلدان حُرة وغير مُقيدين, وذلك من خلال إنشاء مراكز وجمعيات وروابط إسلامية كلها تتبع "للمدرسة الوهابية" وتدين بالولاء لآل سعود, وأصبحت مرجعية تلك المساجد والمراكز الإسلامية هي السفارات والقنصليات السعودية التي استخدمت أساليب الدعم المالي وصرف الرواتب وكذلك منح تصريحات الحج والعمرة كأساليب قذرة للابتزاز وشراء الذمم.

كما سخروا أيضاً جماعة الإخوان المُسلمين في الداخل للترويج لهم وكذلك جندوا أتباعهم في المهاجر للدفاع عن جرائم وتجاوزات آل سعود, وبهذا حصنوا أنفسهم داخل المُجتمعات الإسلامية في دول المهجر وجنبوا أنفسهم أي انتقاد أو كشف لأدوارهم الخيانية, فكانت جماعة الإخوان المُسلمين هي بمثابة كلاب الحراسة النابحة في الغرب التي تذود باسم الدين عن النظام السعودي الذي كان يستخدمهم كحصان طروادة في اختراق المجتمعات الإسلامية من خلال المساجد والمراكز الإسلامية.

فكان الإخوان المُسلمون في بلدان المهجر يستميتون بالنفاح عن النظام السعودي (الذي قام بطباعة المصحف ووسع الحرم حسب تبريراتهم الدائمة), وأنا شخصياً قد خضت بعض الجدل البيزنطي مع هؤلاء المُرتزقة ولم أصل معهم إلى نتيجة طوال أعوام 2000 – 2010م, ولكن شاء الله أن يرد كيدهم بنحورهم بعد أن بعصهم آل سعود في مصر حينما وصلوا إلى السلطة ثم جعلوا منهم إرهابيين وشياطين للمُرشد, فانقلب الإخوان على معازيبهم السعوديين وبدؤوا يهاجمون من طبع المصحف ووسع الحرم ولكن بعد فوات الأوان, وحُق لي أشمت بهؤلاء المُرتزقة الذين بصق عليهم آل سعود بعد أن انتهوا منهم.

لقد كان للإخوان المُسلمين دور خبيث وحقير في خدمة السفارات السعودية, وكانت مهمتهم ارتزاقية وضيعة في الذود عن جرائم وتجاوزات النظام السعودي, وكانوا يُعادون ويكرهون كل من يُعارض آل سعود من أجل كسب ود ورضا السفارات السعودية في بلاد المهجر, فتجد في كل مسجد في أوروبا أحد عتاولة الإخونج مُهمته التسبيح بحمد الحكومة السعودية ومنع أي خطبة تمس بآل سعود أو تنتقدهم, وفي كل موسم يستلم الإمام فيز الحج والعمرة على نفقة خائن الحرمين الشريفين, فيقوم بتوزيعها على أفراد العصابة وأحياناً يشتبكون مع بعضهم البعض حينما يتقاسمون تلك الفيز.

وذلك غيض من فيض .. وعليه فلا يُمكن لوم المُعارضين لآل سعود في الغرب إذا ما واجهوا الفشل أو استغرقوا وقتاً طويلاً في كشف ألاعيب النظام ونفاقه الديني, إذ كان من يُعارض آل سعود يمر بحالة دينكوشوتية مُرهقة, فهو أشبه بمن يُحارب طواحين الهواء, وذلك بسبب الدعم الصهيوأمريكي للنظام السعودي والتضييق الغربي, والحصانة والترويج الإعلامي, وآلاف مؤلفة من أصوات المُرتزقة المُنافحين عن آل سعود في دول المهجر وكان على رأسهم تنظيم الإخوان.

ناهيك أنه لا يوجد نظام حاكم لا عربي ولا حتى أجنبي يُغامر ويتورط بدعم المُعارضين لآل سعود, إما خوفاً من أن يقوم آل سعود - أصحاب الرز الوفير- بدعم المُعارضين لنظامه فيتورط, أو خوفاً من خسارة صفقات الأسلحة الفاسدة والعقود التجارية والمشاريع الوهمية, أو خشية من غضب ماما أمريكا حينما تشعر واشنطن بأن هذا النظام (من خلال دعمه للمعارضة) يُهدد أمن النظام السعودي خادم الغرب والمُصدر للبترول لواشنطن وبقية العالم بعملة الدولار الفارغة غير المُدعمة بالذهب.

ذلك النظام السعودي الخدمي الذي يُحافظ على أسعار النفط مُنخفضة في الأسواق العالمية لمصلحة الغرب, ناهيك عن الدعم الصهيوني الخفي سابقاً لآل سعود والذي بات الآن مكشوفاً من خلال تبنيهم لصفقة القرن ومُحاولة إسرائيل الحثيثة الوقوف مع محمد بن سلمان وتخليصه من مأزق فضيحة اغتيال خاشقجي.
وعليه فمن هو ذلك النظام الطوباوي الذي سيُغامر ويُعادي علناً هكذا نظام صهيوني مُقنع خبيث خدمي مدعوم من أمريكا ومسنود من الصهيونية والغرب؟

والأدهى والأمر أن المواطن "السعودي" المغلوب على أمره أصبح نموذجاً للإرهابي المفترض, فصُور على أنه مشروع انتحاري مُدمر جاهز للتفجير في أي وقت بعد أحداث 11 سبتمبر, وهذا التشويه المُتعمد والتنميط لم يأتِ من قِبل أعداء الإسلام أو الخصوم الناقمين كما يُظن لأول وهلة, بل إن ابن سعود هو نفسه من صور ذلك المواطن المسعوّد للأجهزة المخابراتية الغربية بصورة الإرهابي المتوحش لكي يثير هلعهم ويضمن صمتهم, فيجعلهم يتجاهلون كوارثه ويغضون الطرف عن جرائمه بحق المُعتقلين من رجال ونساء, وذلك بالقول لهم: أنتم لا تعرفون المواطنين في السعودية مثلي, فهؤلاء وحوش ضارية ومُجرمين بالفطرة, ولولا حزمي وبطشي وسيفي الأملح الذي يبتر رقابهم في الصفاة لفجروا كل أبراجكم وناطحات سحابكم ولقتلوا مواطنيكم في الشوارع, وكان يرسخ تلك الصورة النمطية من خلال عرض المسرحيات الإرهابية الهزلية التي يروجها داخل السعودية التي كان يخرجها السفاح نايف وولده المدمن محمد.

وبهذا نجح ابن سعود في شيطنة المواطن "السعودي" الغافل في العالم الغربي, وجعل من كل "سعودي" عبارة عن مشروع إرهابي مفترض يمكن أن يتحول لقنبلة موقوتة بأي لحظة ما لم يكن تحت رقابة وقبضة ابن سعود, وهذا قطعاً أثر كثيراً على مصير طالبي اللجوء في الغرب ممن يحملون الجنسية السعودية ويسعون للإقامة في الخارج, لأنهم أصبحوا مثار شبهة لدى الأجهزة الأمنية الغربية بسبب تلك الصورة النمطية التي رسخها آل سعود وأجهزتهم الأمنية عن ذلك الزومبي "المسعوّد" الذي سيفتك بالمواطنين في أوروبا وأمريكا.

لهذا فاللاجئ السعودي المُعارض كان يواجه مصاعب جمة ويتعرض لتحقيق وتدقيق مُكثف من قبل الأجهزة الأمنية الغربية, وكان يتأخر البت في طلب اللجوء الخاص به, هذا إن لم يتم رفضه خلال أسابيع معدودة. وكان يُعاني ويُذوق الأمرين حتى يحصل على الإقامة وحق اللجوء في الغرب, وحينما يحوز على صفة اللاجئ السياسي, سوف يتعرض للعداء والكراهية أولاً: من قبل العرب الناقمين على آل سعود كونه مسعوّد رغماً عنه, فحينها سوف يُعرّف من خلال هويته العامة كمواطن سعودي وبهذا يُثير نقمة الكارهين لآل سعود.

وثانياً: سوف يُعاني من انتهازية مُرتزقة وأذناب آل سعود في دول المهجر, وأغلب هؤلاء المُرتزقة هم من العرب الانتهازيين الذين يحاولون التقرب لسفارات آل سعود وكسب ريالاتهم من خلال التلصص والإيقاع بهذا المُعارض الثمين على عكس بقية اللاجئين العرب فلن تجد مُرتزق يتتبع خطاهم كما يفعل صائدو المكافآت. ناهيك عن الأخطار التي تتهدد المُعارض لآل سعود يومياً حذراً من عمليات الاغتيال أو التقطيع بالمناشير.

والحقيقة أن المغدور جمال خاشقجي بعد موته أصبح صاحب فضل كبير بعد على الله على المسعوّدين بجنسية ابن سعود, إذ فتح لهم أبواب اللجوء على مصراعيها بعد أن كانت موصدة بوجه المسعوّدين مُحاباةً للنظام السعودي, فكان جثمان جمال المُقطع هو القربان الذي سهل لهم أمر الحصول على الإقامة الدائمة في دول الغرب بعد حادثة المنشار الفظيعة في قنصلية آل سعود في اسطنبول, وقد أصبح المواطن "السعودي" لأول مرة بحياته يجد من يتعاطف معه ويأخذ قضيته في دوائر الهجر الغربية على محمل الجد, ويُسرع بمنحه الإقامة الدائمة وحق اللجوء. كل هذا حدث ببركات خاشقجي رحمه الله.

لهذا لا تحسدوا المُعارض "السعودي" المقرود على وضعه, ولا تظنوا أنه شخص مُرفه ويعيش في بحبوحة, فهو يُعاني العوز والكفاف ويواجه التضييق وغمط الحقوق لأن خصمه الدكتاتور السعودي يملك المال والبترول والإعلام والدعم الصهيوأمريكي والمُرتزقة.

ولكن للتاريخ فقد كان للمُعارضين لآل سعود دور كبير وأسبقية في فضح النظام السعودي وتعريته أمام الجمهور العربي والإسلامي رغم الصعوبات التي واجهوها ورغم المُضايقات التي تعرض لها أغلب المُعارضين, لكنهم صبروا وصابروا وصمدوا وواصلوا نضالهم وهذا يحسب لهم, بل شاءت الأقدار أن يلتفت العالم أجمعه لدموية آل سعود من خلال مواطن سعودي ضحية تم تقطيع أوصاله بالمنشار, كان من أكثر الناس دفاعاً ونفاحاً عن النظام السعودي, وهو جمال خاشقجي. وتلك كانت من المُفارقات والعِبر.


ورغم انفضاح النظام السعودي وتقاطر العشرات من المواطنين الهاربين من البطش السعودي لينضموا إلى ركب المُعارضة, إلا أن حال المُعارضة بصورة عامة لا يُسر وهم كحال أي مُعارضة عربية مُشتتة ومُنقسمة على بعضها البعض وتفتقد للتفاهم والتنسيق وحتى الدعم, كما أن لمُعارضي النظام السعودي السابقين واللاحقين أخطاء وهفوات, وواجهتهم بعض الاخفاقات وخاصة في الأزمة الخليجية الأخيرة, وهذا أمر طبيعي.

أما بالنسبة للأزمة السعوإماراتية – القطرية الأخيرة فقد أضرت بشعوب المنطقة من ناحية قطع صلة الرحم وخلق التنافر بين الأُسر المُتصاهرة, فخلقت العداوات بين المواطنين العاديين أكثر مما أضرت بالأنظمة السياسية الحاكمة المتماحكة في تلك الأزمة, بل وصلت مضارها وتداعياتها حتى على المُعارضين لتلك الأنظمة في كلا البلدان الخليجية المشتركة في هذا التصارع الأُسري, وهذا ما سأوضحه في هذا المقال.

وأنا شخصياً أُصنف الخلاف السعوإماراتي - القطري الأخير بـ"الأزمة" وليس الصراع أو نزاع عسكري كما هو مُتعارف عليه, ولي أسبابي وقناعتي في تفسير هذا الأمر, لأن طبيعة الصراع والنزاع العسكري بين الدول يكون عادةً عدائياً حازماً وحاسماً ولا مجال فيه لليونة أو التحاور والبحث عن مخرج.

بينما يظهر جلياً في خطاب الطرفين المُتضادين أي الطرف السعوإماراتي وكذلك الطرف القطري هم في حالات مد وجزر, وترتفع النبرة الإعلامية حسب الحوادث والتصريحات العدائية المُتبادلة بين الطرفين, والحقيقة أن ما يحصل هو مُجرد أحقاد قديمة وتحاسد يصل أحياناً لمرحلة الوتر والعُقد, لهذا هو مُجرد تماحك إعلامي وسياسي وإن كانت نية الطرف السعوإماراتي تبدو جادة في الإيذاء على عكس الطرف القطري الذي يُحاول أن يبدو لطيفاً مُتفاهماً قابلاً للحوار وليس لديه نية للانتقام أو الإيذاء الحقيقي للخصم.

ولهذا هي أزمة سياسية يشتعل أوراها ويخبو حسب التحركات السياسية والتحشيد الإعلامي ولكنها لم تصل بين الطرفين إلى حالة الحرب أو النزاع العسكري المسلح, وإن هَدد وتوعد النظام السعودي وكذلك الإماراتي بغزو قطر وأعلنا عن نيتهما تغيير نظام "الحمدين" كما يسميانه, لكنهُ مجرد هياط إعلامي واستعراض فارغ أشبه بمُمارسة ألعاب البلاي ستيشن وثقافة الشيلات, والدليل هي تلك العربدة السعودية حول نية محمد بن سلمان شق قناة بحرية تفصل قطر عن مُحيطها وتحولها إلى جزيرة معزولة, وأنهم استأجروا أضخم "حفار" في العالم لشق "قناة سلوى", واتضح لاحقاً أنها مُجرد "خثرقة سعودية" وسكرة من سكرات الصبي الأرعن.

ولهذا أقول أن تلك الأزمة وإن طال أمدها وظهر أثرها السيئ بأن جعلت الشعوب في حالة عداء وتشاتم يومي بسبب تلك الأنظمة المُتماحكة, فدفعوا الثمن غالياً في منعهم في التواصل والزيارات وحُرم بعضهم من أداء مناسك الحج والعمرة وضيقوا عليهم معيشتهم, إلا أن تلك الأنظمة لا يوجد لديها مبادئ أو قيم ثابتة, وهي تتعامل مع شعوبها بمبدأ أوضع بكثير من غاية ووسيلة ميكافيلي, فهي مُستعدة من الغد أن تفتح صفحة جديدة مع خصومها وتعود العلاقات طبيعية ويستقبل أحدهم الآخر بالأحضان والقُبلات وتقديم وصلات راقصة من خلال عرضة السيوف.
إذن شعوب المنطقة هي الضحية بكافة أطيافها وخاصة الأُسر المُختلطة بين تلك الدول المُتنافرة, ناهيك عن الثمن الباهظ الذي دفعه المواطنون المُقيمون في تلك البلدان من الموظفين والطلاب الذين يدرسون في غير بلدانهم. وأعنى هنا مثلاً الموظفين السعوديين في قطر الذين طُلب منهم مُغادرة قطر بعد اندلاع الأزمة دون أي مُبرر, ففقدوا وظائفهم الثابتة وخسروا مشاريعهم التجارية ولم يعوضهم النظام السعودي, وكذلك الطلاب القطريين الذين يدرسون في السعودية والإمارات وتم فصلهم من الجامعات أو مضايقتهم.

لكن هناك فئة أخرى وقعت ضحية لتلك الأزمة وإن كان قد تم ذلك الأمر برغبتها في مُحاولة لاستغلال تلك الأزمة لمصالحها السياسية والمادية, وأعني هنا المُعارضين لتلك الأنظمة من كلا الطرفين, وكيف تم استقطاب بعضهم نكاية بالطرف الآخر, وكيف تم التضييق على بعضهم والتخلي عن البعض الآخر لاحقاً, فتحولوا لبيادق دون أن يشعروا بذلك, وإن كنت لا أرى بأساً في الاستفادة من تصادم تلك الأنظمة في حال أن تكون الجهة المُعارضة ذكية ومُستقلة في قرارها فتستفيد من تلك الظروف الطارئة وأن لا يتم استغلالها سياسياً فتحترق وتكون رماداً لتلك الأزمة.
ويجب التنويه هنا لأمر مهم جداً, وهو أن النظام السعودي تحديداً ومعه النظام الإماراتي كانا أكثر جراءة ووضوحاً في الكشف عن نيتهما الصريحة بالإضرار بنظام آل ثاني أو على الأقل مُحاولة النيل ممن يُسميانه إعلامياً بـ"نظام الحمدين", وخدمهم في ذلك كثرة الناقمين من أسرة آل ثاني على حكم الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وولده تميم, وهؤلاء يعادلون جُل المعارضة القطرية القليلة العدد أصلاً.

أيضاً استطاع آل سعود تجنيد بعض رؤساء وشيوخ القبائل المشتركين في من السعودية وقطر, مثل شيخ شمل الهواجر من قحطان شافي بن ناصر بن حمود آل شافي وكذلك شمل قبيلة آل مرة طالب بن لاهوم بن شريم, الذي عاد لاحقاً للدوحة نادماً ولمن تقبل توبته فعاد أدراجه.
ولهذا استفاد آل سعود إعلامياً من خلال استغلال هؤلاء "الشيوخ الثواني" المُتمردين ناهيك عن استفادتهم من فخذ الغفران من آل مرة, الذين تم ابعادهم من قطر بعد مُحاولة الانقلاب الفاشلة عام 1996م.

لهذا كان النظام السعودي دائماً هو المُبادر والأكثر صلافة في توجيه الإهانات والتهديد باستخدام القوة والبطش بالنظام القطري, بينما الأخير كان في وضع الدفاع والصد فقط, وربما صغر حجم قطر وعدم مقدرتها على مواجهة السعودية جعلها تبدو ضعيفة أمام العربدة السعودية, وإن لم تؤتي تلك العربدة أُكلها بعد لكنها كانت صريحة غير مُبيتة وجاهزة للانقضاض في أي وقت.


على عكس الموقف القطري الذي كان يحاول امتصاص غضب خصومه ويسعى للتصالح معهم, ولم يتحرك بصورة جدية للإضرار بهم كما فعلوا هم بالعلن, بل إن النظام القطري لم يستفد حتى من المُعارضين للنظام السعودي في الخارج وكان يحاول أن يتعامل معهم من خلال القفاز لكي لا تظهر بصماته فيغضب منه آل سعود, فلو تعامل آل ثاني على مبدأ البراغماتية السياسية والمُعاملة بالمثل على سبيل مع "خالد بن فرحان آل سعود" المُقيم في ألمانيا, كما تعامل آل سعود مع عبد الله بن علي آل ثاني وسلطان بن سحيم آل ثاني وغيرهم. لشكلوا ردعاً لآل سعود وجعلوهم يفكرون ألف مرة قبل أن يخوضوا في هذا المضمار.


حتى نواف بن طلال الرشيد سليل أُسرة آل رشيد أمراء حائل لم يستفد منه النظام القطري سياسياً ولا حتى إعلامياً ولو باعتباره مواطن قطري, على الأقل كرد سياسي بالمثل على تبني آل سعود لإمارة سلطان بن سحيم الذي صدره آل سعود لوسائل الإعلام كبديل لـ"نظام الحمدين", بل لم يوفروا له الحماية الكافية أو يحذروه من الخطر الذي يتهدده وهم دولة ولديهم جهاز مخابرات وأمن كبقية الدول, وسكتوا عن عملية تسليمه من قبل الكويت حفاظاً على عدم اغضاب الحكومة الكويتية التي فهموا أنها وقفت بشكل حيادي في تلك الأزمة.

بل كان النظام القطري يتبرأ حتى ممن يدافع عنه ويتحمل الأذى في سبيل النفاح عن وجهة النظر القطرية, كما حصل مع الإعلامي الكويتي عبد الله محمد الصالح, وكيف تم الطلب منه مُغادرة البلاد أو يتم تسليمه للكويت لمواجهة دعاوى قضائية كيدية بسبب مواقفه الداعمة لقطر.
ثم الموقف الأخير الذي بينه المعارض علي السليماني, وكيف تم احتجازه في مطار الدوحة رغم إعلانه مُعارضته الصريحة للنظام السعودي وطلبه اللجوء, فطلب منه مُغادرة البلاد, ثم اختياره لتركيا كبلد بديل عن البقاء في قطر وكيف تحول لمُعارض عالق في تركيا.

ولو حسبتها من ناحية سياسية براغماتية بحتة فقد كان بإمكان القطريين أن يستغلوا وجود علي السليماني في قطر كون شقيقته تحمل الجنسية القطرية, وبهذا يكون ضيفاً دائماً على قناة الجزيرة كصوت سعودي شاب معارض يستأنس برأيه الجمهور العربي, لكنهم آثروا طرده من الدوحة خوفاً من الغضب السعودي الذي لم يترك وسيلة إلا واستخدمها في إيذائهم, وربما لأن السليماني لا ينتمي لجماعة السروريين وحزب الإخوان المُسلمين وكان يغرد خارج سربهم.

ولن أجتر لكم حادثة تسليم قطر للمُعارض محمد العتيبي إلى النظام السعودي, والذي برروه بأنهم كانوا ملزمين بتنفيذ بنود المُعاهدة الأمنية الموقعة مع السعودية لتسليم المطلوبين, وظنوا أنهم بتسليم العتيبي سوف يمتصون الغضب السعودي, فذهب الرجل ضحية لحسابات سياسية بائسة.
ولهذا بعد تلك الحوادث المؤلمة استغرب ممن سيذهب إلى قطر ويطلب اللجو السياسي, إذ لا مجال للمخاطرة وتعريض النفس للمخاطر, ثم تحميل الآخرين المسؤولية.

فإذا كنت في عز أزمتك "كنظام حاكم" وفي أوج رفضك الانصياع للشروط السعوإماراتية مازلت تخشى من أن تمنح حق اللجوء لمعارض سعودي, ومازلت تحسب حساب لغضب فلان وعلان عليك في أمر سيادي خاص بدولتك, فكيف تستطيع غداً لو تصالحت مع تلك الأنظمة الباغية أن تملك قرارك السيادي وتمنح أي شخص الجنسية القطرية, أو ترفض تسليم أي مطلوب لسبب سياسي مُقيم لاجئ أو مقيم في بلدك؟

كان على النظام في قطر أن يختبر سيادته وعزيمته في هذا الوقت تحديداً, وأن يُثبت لضرائره أنه بلد مُستقل وحُر, ولا يرضخ لإملاءات أحد ولا يحسب حساب لأي متطفل من الأنظمة المُجاورة.
لكن النظام في قطر مازال مُكبلاً بما يُسمى أنظمة وبنود مجلس التعاون الخليجي, ويعترف بالاتفاقية الأمنية في تسليم المطلوبين, والتي صيغت أصلاً لتسليم المُعارضين السياسيين, ولا يُريد أن يخرج من هذا التأطير والتكبيل السياسي والأمني الذي ينتقص من سيادة البلد, لهذا هو مازال يتصرف كنظام تابع لمنظومة خليجية أمنية كما الحال قبل الأزمة.

فلو أرادت قطر أن تدعم المُعارضين لآل سعود كما يفعل النظام السعودي الآن مع المُعارضين القطريين لجعلت سلمان بن عبد العزيز وولده الأرعن في حيص بيص لا يغمضون أعينهم ولا يستطيعون النوم ليلاً, لكنهم في الحقيقة لا يريدون استفزاز آل سعود, ويحاولون فقط إثارتهم إعلامياً عبر قناة الجزيرة, والاتصال ببعض المُعارضين في لندن لبضعة دقائق لرفع وتيرة الضغط الإعلامي وكفى, تلك هي حدود مُماحكتهم.

فبدلاً من استضافة الدكتور محمد المسعري على استحياء على قناة الجزيرة مُباشر, كان يمكن لحكومة قطر أن تمول قناة فضائية خاصة بحزب المسعري في لندن وتبقى هي تتفرج من بعيد كما فعلت حينما دعمت قنوات الإخوان المسلمين, خصوصاً وأن المسعري يستحق بجدارة قناة خاصة به لأنه صاحب فضل على قناة الجزيرة التي بسببه ولدت كقناة إخبارية بديلة بعد أن تم إغلاق قناة بي بي سي العربية.

وكذلك الأمر مع غانم الدوسري الذي أزعج آل سعود بحلقاته الساخرة على موقع اليوتيوب, وبعد كل حلقة من حلقاته يقوم موقع اليوتيوب بغلق قناته المجانية نتيجة الشكاوى السعودية الهستيرية, فكان بإمكان قطر أيضاً أن تمول قناة فضائية لغانم الدوسري دون أن تظهر هي بالصورة, وبهذا تضرب عصفورين بحجر واحد, أولاً: تقتص من آل سعود وتردعهم وهم يدعمون كل أطياف المعارضة القطرية. وثانياً: تدعم المُعارضين لآل سعود وتقويهم وتكسب ثقتهم بعد أن وقفت قناة الجزيرة مع النظام السعودي لعقد كامل بعد المُصالحة السعودية - القطرية.

قد يقول قائل بلسان النظام القطري: وما هي مصلحة دولة قطر في دعم المُعارضين لآل سعود؟ فهي ليست مُلزمة بدعمهم ولن تتحمل ضريبة سياسية جراء ذلك الدعم المؤذي للنظام, ولهذا هي تنأى بنفسها عن دعم المُعارضين.
وهذا كلام منطقي ومقبول لو طرح بصراحة, لأنهُ سيُزيل الالتباس ويضع النقاط على الحروف, وهو ينطبق أيضاً على الجانب الآخر وهم المُعارضين, فقط يتم قلب التساؤل من (ما هي مصلحة قطر ...) إلى (ما هي مصلحة المُعارضة ...الخ).

وبالمُناسبة فبعد مرور حوالي 7 أشهر من الأزمة السعوإماراتية – القطرية, أبلغني مصدر موثوق بأنهُ قد صدر أمر لقناة الجزيرة بكسر الحظر الإعلامي على المُعارضين "السعوديين", وقريباً جداً سوف تسعى الجزيرة لاستضافتهم على منبرها بعد فترة مُقاطعة استمرت لعدة سنوات, تخللها في السنوات الأخيرة تطبيل وتزمير مُقرف للنظام السعودي عبر قناة الجزيرة دون حياء أو خجل, أو حتى استضافة للرأي المعارض للنظام السعودي.

فقمت بالتواصل بجُل الإخوة المُعارضين في الخارج (كل اسم يطرأ ببالكم قد تواصلت معه), وأبلغتهم بهذا الخبر, وترجيتهم رجاء حار عدم الظهور على قناة الجزيرة على الأقل في هذا الوقت الحالي المُرتبك, ليس مُناصرةً للطغاة آل سعود أو تعالياً أو رفضاً للظهور دون مسوغ بل احتراماً للذات, فلا يجوز أن تكون المُعارضة مُقاطعة من قبل قناة الجزيرة ومنبوذة لسنوات, ومتى ما وقعت الجزيرة في ضيق سارعوا زرافات للظهور على شاشتها, فتصبح "مُعارضة اطلب تسمع", وحاججني بعض هؤلاء الإخوة أنهم بحاجة ماسة لمنبر إعلامي مُشاهد ومسموع وهي فرصة لإيصال صوتهم وآرائهم عبر الجزيرة.

وذكرتهم بأن البراعة السياسية والبراغماتية وإن كانت مطلوبة في العمل السياسي ولكن احترام الذات أيضاً مطلوب, فأنتم مُهملون ومركونون على الرف منذ أكثر من عقد, فلم تتذكركم قناة الجزيرة إلا الآن؟
على الأقل لقنوها درساً في المبادئ والأخلاق لتُدرك أن من تجاهلتهم طوال تلك السنين لن تحصل على ظهورهم السريع على شاشتها إلا بعد أن تعي غلطتها وتفهم أصول العمل الإعلامي الحُر والمُستقل.

وحينها ذكر لي أغلب الإخوة وليس كلهم أنهم أصلاً لن يظهروا على قناة الجزيرة لأنهم قاطعوها منذ زمن ويدركون مراميها وأجندتها, ثم سرعان ما ظهر أغلبهم على الجزيرة باستثناء شخصين أو ثلاثة فقط.
إذن المشكلة هي ليست في تردد القطريين وعدم رغبتهم بالاعتراف في المعارضة المناهضة لآل سعود, أو في ازدواجية وعجرفة الجزيرة ورفضها استقبالهم سابقاً على منبرها, بل المشكلة في بعض المُعارضين الذين لا يستطيعون الابتعاد عن الأضواء, والذين تقاطروا زرافات على قناة الجزيرة دون أي اعتذار منها أو حتى تعهد بعدم العودة للتجاهل مُستقبلاً بعد أن تتصالح الأنظمة.

ولهذا كان المُعارضين من كلا الجانبين ضحايا لتلك الأزمة الطارئة حينما انساقوا دون تعهدات أو اعتراف رسمي بهم, بل أن المُعارضة القطرية كانت أكثر استفادة من نظيرتها "السعودية", حيث خرج كبار آل سعود وهم يثنون ويعترفون بالمُعارضة القطرية ويعدونهم بالوثوب قريباً على نظام الحمدين, وكانوا جلساء على يمين سلمان وولده ومُقدمين على بقية الضيوف في قصورهم ومهرجاناتهم.


بينما بالمقابل كان المُعارضين "السعوديين" أشبه بالجهة المنبوذة أو الطرف المشبوه الذي يخشى آل ثاني من دعمهم أو الظهور معه, حيث يتعامل معهم النظام القطري من وراء قفازات وقت الحاجة وعبر قناة الجزيرة.
والسبب في ذلك هو عدم اتفاق المُعارضة على مبدأ احترام الذات والمُقاطعة والامتناع عن الظهور الإعلامي بعد ذلك التهميش والنبذ الطويل إلا وفق عهود ووعود جديدة من حكومة قطر بالاعتراف بهم أو على الأقل مُعاملتهم كما يُعامل النظام السعودي المُعارضين للنظام القطري, وكذلك اندفاع بعض المُعارضين على الظهور في قناة الجزيرة ثم يتلقى بعضهم اللكمات من بعض مُذيعيها الناقمين على كل من يُعارض الأنظمة ولا يتبع نهج وفكر الإخوان.

وليت هؤلاء المُذيعين المُتنمرين في قناة الجزيرة يواجهون أبواق آل سعود الذين صنعتهم الجزيرة ومنحتهم جوازات مرور عبر القنوات السعودية كما يواجهون المعارضين للنظام السعودي بذريعة الحياد والمهنية, أمثال رامي الخليفة وأنور مالك وجيري ماهر وعماد الدين الجبوري وصباح الخزاعي, الذين أدخلتهم قناة الجزيرة في كل البيوت العربية وبعد أن نالوا شهرتهم وحققوا مآربهم ركلوها وتحولوا إلى القنوات السعودية.

إذن لو كان حكام قطر جادين فعلاً ومُقتنعين بعمل المُعارضين "السعوديين" أو لنقل أنهم ينوون فعلاً رد تلك الاعتداءات الإعلامية السعودية الشرسة ضد بلدهم قطر, لفتحوا قناة أو قناتين فضائيتين للمعارضين لآل سعود كما فعلوا مع المُعارضة المصرية وفتحوا عشرات القنوات الفضائية للإخوان المسلمين في تركيا ولندن.

لكنهم لا يُريدون إثارة غضب آل سعود لدرجة أنهم يدعمون المُعارضين لنظامهم كما يفعل آل سعود مع المُعارضين القطريين, لا قطعاً .. إنما هم يريدون مُماحكة ناعمة واستفزاز إعلامي عابر فقط, وبنفس الوقت إرسال رسائل مشفرة تقول: أننا نستضيف المُعارضين لكم على قناة الجزيرة, فلا تدفعونا إلى أن نزيد الكيل.

وربما لاحظ أولئك الذين كانت الجزيرة تستضيفيهم بشكل دائم على منبر الجزيرة أبان أزمة خاشقجي, كيف تراجعت تلك التغطية المحمومة بعد أن قرر الأتراك وضع ملف خاشقجي في الثلاجة, وأصبحوا لا يظهرون إلا لماماً في اتصالات سريعة وعلى قناة - الجزيرة مُباشر -.

لهذا أنا شخصياً أعتبر أن جُزءاً كبيراً من المُعارضين للنظام السعودي كانوا هم أيضاً ضحاياً لتلك الأزمة الخليجية المُفاجئة, حيث لم تتم مُعاملتهم كأنداد حقيقيين لآل سعود كما فعل آل سعود مع المُعارضين القطريين, ربما تنقص بعضهم الخبرة اللازمة بالتعامل مع هكذا حالات, وربما كان البعض الآخر يسعى بحُسن نية للوصول إلى الجمهور العربي, وبعضهم قد تربطه علاقات وثيقة مع القائمين على قناة الجزيرة, لكن بعد تلك التجربة الأخيرة لهم ستنتفي مسـألة حُسن النية.

وإذا ما استثنينا الحالة الخيرة لـ علي السليماني الذي ذهب لزيارة شقيقته القطرية فلا مجال بعد الآن للبحث عن عذر لمن يشد رحاله إلى قطر كمُعارض طالباً اللجوء بعد كل تلك المآسي, ومعرفته بأن حكومة قطر سوف تقوم بطرده في نهاية المطاف, إلا إذا كان يبحث عن الأكشن والإثارة أو يريد أن يسلك أسهل الطرق للوصول إلى مُبتغاه.

ولا مجال بعد الآن أيضاً للظهور المجاني على قناة الجزيرة التي لا تتذكر هؤلاء المُعارضين للنظام السعودي, إلا حينما يضيق الخناق على رعاتها أو على الإخونج, أو حينما يجد أردوغان مصلحة ما من إثارة موضوع خاشقجي وسحبه من على الرف.
اللهم إني بلغت فأشهد







الأحد، 25 مارس 2018

الدراما التاريخية التركية .. كلاكيت ثاني مرة

عودة مرة أخرى إلى موضوع الدراما التاريخية التركية وأهميتها بالنسبة للمُشاهد التركي والعربي أيضاً والمُسلم بصورة عامة, وتناول بعض المؤاخذات والآراء النقدية لهكذا أعمال درامية مُهمة وافتقارها للمصادر والمراجع التاريخية الموثقة, والاعتماد على عامل الإثارة والإبهار في مُحاولة لجذب الجمهور وإرضاء شغف المشاهد بالقصص البوليسية والأكشن والمُغامرات والتقنيات الفنية الحديثة في عالم الانتاج السينمائي والتلفزيوني.

فالأعمال التاريخية سواء كانت في السينما أو التلفزيون حساسة وخطيرة أيضاً إذا ما حُرفت وتم العبث والتزوير في أحداثها التاريخية, فالذاكرة الجمعية للمُجتمعات أصبحت مرئية أكثر منها مكتوبة, ولا بد من العناية والتدقيق في إنتاج هكذا أعمال درامية تاريخية مُهمة, لأنها ستكون بمثابة توثيق وأرشيف مرئي لتاريخ الدول والشعوب, ولا بد من تكليف لجان خاصة تُشرف على تدقيق النصوص التاريخية قبل إقرارها كمشاريع درامية ثم عرضها على الجمهور كمُسلسلات.

وقد يرى البعض – وأنا منهم – أن نهج المُسلسلات التاريخية يختلف تماماً عن منهج الأفلام الوثائقية المحكومة بالسرد التاريخي والعرض الأرشيفي الصارم, لأن المُسلسلات بحاجة إلى خيال ومُبالغات والمزيد من البهارات والأكشن, من أجل إمتاع الجمهور والتخلص من الأجواء الرتيبة في عروض الأفلام الوثائقية وترفيه المشاهدين لكي لا يشعروا بالملل.

وهذا التبرير قد يصح في حالة عدم المساس بالخط العام للمسار التاريخي وعدم التلاعب بمواقف الشخصيات الحقيقية بحجة خلق جو بوليسي لجذب الجمهور, فيمكن للمُخرج إضفاء نوع من التشويق والحبكة الدرامية دون العبث بمُجريات ووقائع الأحداث التاريخية أو خلق شخصيات وهمية قد تجعل الكثير من المُشاهدين يظن بأنها شخصيات حقيقية, وأن ما يُشاهده من خيالات المؤلف وشطحات المُخرج هي أحداث واقعية وتاريخ حقيقي.

وما يهمني أنا كباحث تاريخي ومُهتم بأحداث المنطقة وتاريخ الدولة العثمانية الذي امتد لعدة قرون شاملاً جميع أجزاء المنطقة العربية, هو التوثيق التاريخي الصحيح والدقيق للعمل الدرامي خاصة أحداث ما قبل المائة عام الماضية, لأن مصادر تلك المرحلة متوفرة ومحفوظة سواء كانت في أرشيف الدولة العثمانية أو في الأرشيف البريطاني, ناهيك عن شهادة الكثير ممن عاصروا تلك الفترة القريبة والتي وثقوها بالكتب واللقاءات التلفزيونية.

وشخصياً أرى أن تاريخنا العربي المُعاصر كعرب هو لصيق بتاريخ الأتراك ولا يُمكن فصله ولا الفكاك منه مهما حاول البعض أن يتبرأ ويتنصل من ذلك التاريخ, فقد قُدر لمنطقتنا العربية أن تُحكم من قبل الدولة العثمانية على مدى سبعة قرون, وخلال تلك الفترة حافظ التُرك على الهوية الإسلامية ونافحوا بضراوة عن الإسلام والمُسلمين, وذلك بعد أن تفتت دولة الخلافة الإسلامية بزعامتها العربية ككيان موحد مُمثلاً بالدولة العباسية.
وعليه فإن ما يعرضه الأتراك اليوم من دراما تاريخية, لنا فيها كعرب ومُسلمين جزء كبير من الحضور سواء  كان من ناحية الشخصيات أو الأماكن التي حوتها تلك الأحداث ودارت عليها رحى تلك المعارك, وأرى أن من حقي أنا وغيري الخوض في صناعة تلك الدراما التاريخية وانتقاد بعض السيناريوهات المكتوبة على عجل سواء كان في مُسلسل – السلطان عبد الحميد الثاني – أو كذلك في مُسلسل – كوت العمارة – الذين يتم عرضهما حالياً على القنوات التركية.

وأما بالنسبة لمُسلسل – قيامة ارطغرل – فأنا لن أخض فيه من الناحية التاريخية كما وضحت في مقالي السابق, وذلك لأن أحداث هذا المسلسل قد جرت قبل حوالي 700 عام؛ حيث كانت ولادة بطل تلك الأحداث في عام 1281م, وعليه فلا مجال هنا للجدال والتظير في ظل شح المصادر التاريخية, ولهذا يمكن لكاتب السيناريو أن يُضيف ويتلاعب بالأحداث كما يشاء.

وأنا سبق وأن أشدت بهذا العمل الدرامي الذي جاء بعد موجة درامية مُنحدرة غزت القنوات العربية, وفجأة ظهر لنا مُسلسل تاريخي تركي رصين ومُحتشم أيضاً, فكان عبارة عن انقلاب ثقافي وفني في مسيرة الدراما التركية, التي تعودت على صناعة وتسويق الدراما التجارية الرخيصة, التي تستهدف المراهقين بدغدغة مشاعرهم من خلال سيل المُسلسلات الخالعة وإنتاج مُسلسلات تاريخية مشوهة شبيهة بحكايات ألف ليلة وليلة, كان القصد منها تغريب المُشاهد العربي والإمعان في تشويه تاريخ المُسلمين وترسيخ الفكرة الغربية السلبية السائدة عن الإسلام والمسلمين.

فجاء إنتاج مُسلسل – قيامة أرطغرل – ليشكل بمثابة الصفعة الموجهة لتلك المُسلسلات التجارية الهابطة, ولهذا كف الحريصون ألسنتهم عن انتقاد هذا المُسلسل خاصة من ناحية تسلسل الأحداث التاريخية, وقالوا لا بأس فلتكن الأحداث مُبالغ فيها ومُحوّرة لأن تلك الفترة كانت قديمة والجمهور عادةُ بحاجة لعناصر التشويق والأكشن, – رغم أنه واجه حملة انتقادات وهابية كالعادة – مع هذا فقد نجح هذا المُسلسل نجاحاً باهراً ومازال يحصد الملايين في نسبة المُشاهدين. لكن ماذا عن بقية المُسلسلات التاريخية الأخرى التي جاءت بعد مُسلسل - قيامة أرطغرل - والتي تم انتاجها على عجل بعد أن اجتاح مُسلسل أرطغرل القنوات الفضائية التركية والعربية أيضاً, فهل لاقت نفس النجاح ؟

وهل تعلّم أصحاب صناعة الدراما التركية هُم والقائمون على هكذا مُسلسلات تاريخية من الأخطاء السابقة, وهل تجاوزوا بعض الهفوات الفنية التي وقعت في مُسلسل أرطغرل ؟

الجواب: للأسف لا, حيث زادت الهفوات والأخطاء التاريخية, وبدأت تلك المُسلسلات تطبخ على عجل من أجل التسويق التجاري والربح المادي الصرف, وباتت عملية إنتاج المُسلسلات في تركيا شبيهة بعملية سلق البيض, كما أن المؤلفين الأتراك لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث والتنقيب عن المصادر والمراجع المُتعلقة بتلك المراحل التاريخية المطروحة فنياً, والاعتماد على حكايات وأساطير محلية غير موثقة, ثم إضافة بعض البهارات والمُغامرات المُستوردة والمنسوخة من أعمال أمريكية ركيكة.

فبدؤوا يركزون فقط على عامل التشويق والقصص البوليسية ومُطاردات الجواسيس وحل ألغاز الجرائم وإفساد المؤامرات, كأننا أمام اجترار لأفلام جيمس بوند البالية والتي كانت في وقتها مُبهرة لكثير من الجماهير المُغيبة, أو أننا أمام سلسلة جديدة من روايات أجاثا كريستي البوليسية, ولا أدري ما الذي يجعل مخرج تركي يعيش في القرن الحادي والعشرين ويفترض به أنه قد اطلع على كثير من التجارب السينمائية العالمية ثم تجده يجتر تجارب هوليوود المُبتذلة في بداية القرن العشرين !؟

المفروض بكل مُخرج سينمائي في هذا العصر الرقمي المتطور أياً كانت هويته أن يتجاوز الأعمال الاستشراقية التقليدية القديمة, خاصة تجارب هوليوود الرخيصة في بداياتها حول المشرق ونظرتهم للعربي المُلثم قاطع الطريق, وأن يبدأ من حيث انتهى الآخرون, لا أن يسير على نفس خطاهم من أجل أن يحصد المال ويكسب رضا بعض الجمهور الساذج.

صحيح أن تلك الدراما تتناول فترات زمنية هي بحدود المائة عام أي بداية القرن العشرين, ولكن لنُذكر مُخرج عمل "كوت العمارة" مثلاً؛ أن مدحت باشا حينما كان والياً على العراق قد أقام سكة الترام - الذي تجره الخيول - في بغداد عام 1869م, ولم تكن بغداد ولا سكانها في تلك المرحلة عبارة عن بيئة صحراوية قاحلة ومناخ للإبل وعبارة بدو مُلثمين كما ظهروا في المشاهد التي ظهرت في هذا العمل.

صورة أرشيفية لبغداد في العهد العثماني.

وقد يرى البعض أن التجربة التركية الحديثة في إنتاج الدراما التاريخية هي تجربة واعدة تستحق الدعم والتشجيع والوقوف بجانبها, لا انتقادها والتقليل من شأنها, لأن هذا قد يؤدي إلى تقويض الهمم وإفشال التوجه الدرامي الجديد ومن ثم العودة إلى الدراما التجارية الرخيصة, وهذا الكلام غير صحيح تماماً, لأن تشجيع الأعمال غير المُكتملة والمشوهة يعني المُشاركة في الهدم وتخريب الذوق العام.

وهل الغرض من الإنتاج الدرامي للحوادث التاريخية هو نوع من الترويج والبروباغندا والتباهي بحوادث ذلك الزمان والبحث عن تحقيق أهداف سياسية, أم التوثيق الصحيح للتاريخ والتعلم من أغلاط وأخطاء الماضي؟

فلا شك أن دخول الدولة العثمانية للحرب العالمية الأولى كان خطأ تاريخي كبير ولا يُغتفر, ومن اتخذ هذا القرار الكارثي كانوا ثلة عابثة من العسكر المُنقلبين وبعض المُغامرين والانتهازيين, ولا يُمكن بأي حال من الأحوال تمجيد هؤلاء الانقلابيين, كالثناء مثلاً على أنور باشا كما جاء في مُسلسل "كوت العمارة".

ولكن هل هذا الموقف يعني أو يُبرر لللآخرين التآمر والاصطفاف مع العدو الغازي وهم البريطانيين؟
قطعاً لا, فتلك خيانة عُظمى أشد من خيانة من قرروا دخول تلك الحرب وتعريض أمن البلاد والعباد للخطر وجلب الكوارث للشعوب التي مازالت لحد الآن تدفع أثمانها.

ثم هل يتحمل الجيش العثماني المُسلم أخطاء قادة الإتحاد والترقي الكارثية ؟

بالتأكيد لا, فهؤلاء جنود شرفاء خاضوا حرب دفاع مُستميتة كان قد تسبب بها غيرهم, لكنهم وقفوا الموقف الصحيح وضحوا بدمائهم الزكية في سبيل حماية تخوم الدولة ورد العدوان الغاشم, ولهذا يستحقون الثناء والتخليد في المعارك التي خاضوها بإخلاص رغم أخطاء من ورطوا البلاد والعباد في تلك الحرب الكونية.

إذن عملية النقد البناء مُهمة جداً في كافة المجالات, والتطرق لأخطاء الماضي وطرحها بشفافية على الجمهور أمر صحي وحيوي, خاصة وأننا نتحدث هنا عن تلك المُسلسلات التي كلف انتاجها الملايين من الدولارات والتي تلاقي دعماً وتشجيعاً من قِبل الحكومة, فكان يُمكن أن تظهر بمظهر أفضل بكثير مما ظهرت عليه خاصة من ناحية توثيق الأحداث التاريخية الصحيحة والتطرق للشخصيات الحقيقية, وكان يمكن أن تحصد أفضل الجوائز العالمية لو كانت تلك الأعمال رصينة ودقيقة بما يكفي, وعليه فإني أرى وجوب عرض أي عمل درامي تاريخي, مثل  مُسلسل – السلطان عبد الحميد الثاني – و مُسلسل – كوت العمارة – على لجنة مُختصة من أساتذة التاريخ الأتراك وخاصة الخبراء منهم في تاريخ وثقافة المنطقة, قبل البدء في تصوير أي مشهد, وبعد إقرار تلك الأعمال وتصحيح السياق والأحداث التاريخية فيها يتم المُباشرة في إنتاج هذه المُسلسلات التاريخية, بل ويجب دعمها وتمويلها من قِبل الدولة نفسها.

فمهما بلغ المؤلف التركي أو العربي من حرفية وأسلوب روائي جميل فلا يمكنه أن يخوض في الأحداث التاريخية المُهمة دون القراءة والإطلاع والخبرة في هذا المجال, ولن يستطيع أي موظف أو مُشرف سينمائي أو تلفزيوني على تلك الأعمال الملحمية تقييم عمل المؤلف إلا من خلال لجنة مُختارة من الأساتذة المُتخصصين في هذا الشأن, وخاصة الخبراء في هذا المجال من ذوي الاختصاص بالفترات والمراحل التاريخية.

وسوف أتناول بعض المُلاحظات والمُؤاخذات البارزة على مُسلسلي – السلطان عبد الحميد الثاني – و – كوت العمارة – لأُدلل للقارئ الكريم على أن عملية الإبهار في دقة التصوير والديكور والملابس الزاهية لا تكفي لنجاح أي مُسلسل تاريخي ما لم تكن تلك الرواية السينمائية والحبكة الدرامية للأحداث أو توثيق السيرة الذاتية لأي شخصية مُهمة مُعبرة ورصينة ومُقنعة للمُشاهد الحصيف والمُطلع على مسيرة الأحداث التاريخية.

مُسلسل السلطان عبد الحميد الثاني :

المُسلسل كما ذكرت هو مُبهر جداً من ناحية التصوير والإضاءة والديكور وملابس ذلك العهد, وأيضاً البراعة في اختيار وتجهيز الأماكن الخاصة بتصوير تلك المرحلة التاريخية المُهمة في الأستانة, كاستخدام محطة القطار القديمة والعربات التي تجرها الخيول, وإظهار  أُبهة قصر  يلدز في طراز البناء والحدائق والأثاث واختيار الملابس الزاهية والأنيقة للسلطان وحاشيته وحرس القصر, وكان هذا مُمتازاً ولا خلاف عليه إطلاقاً, ولكن ماذا عن سياق وتوثيق أحداث سيرة ومسيرة حياة السلطان عبد الحميد الثاني؛ طفولته, شبابه, نضوجه ثم كهولته ؟
وماذا عن موقفه من الانقلاب على عمه السلطان عبد العزيز وخلافه مع حسين عوني باشا ومدحت باشا, ونشوء جمعية تركيا الفتاة ومن ثم ظهور جماعة الإتحاد والترقي؟


الصدر الأعظم مدحت باشا في أواخر أيامه.

وأين هو دور الماسونية وتغلغلها في المجتمع النخبوي التركي؟ فقد تبني عدد كبير من البشوات لهذا الفكر, بل كان السلطان المخلوع مُراد قد تفاخر بعلاقته بالماسونيين.
الحقيقة أن سياق الأحداث في هذا المُسلسل كانت تعتمد على أسلوب المغامرات وأحياناً تنحى منحى فكاهياً كما هو الحال مع شخصية محمود باشا (زوج سنيحة أخت السلطان غير الشقيقة – شقيقة مراد) وكذلك الأمر مع ولده صباح الدين الذي لم يكن هو الآخر بتلك العبثية والتفاهة كما ظهر في المُسلسل, حيث كان صباح الدين ضمن أعضاء جمعية تركيا الفتاة, وكان على قناعة وإيمان بضرورة التغيير الديمُقراطي (حسب قناعته), مُتأثراً بأفكار أستاذه عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم, وقد عاد لاحقاً هو وشقيقه لطف الله من بروكسل مع رفات والدهم بعد خلع السلطان عبد الحميد, وقد استقبلهم الجمهور التركي استقبال الأبطال.
وهناك شخصيات غير واقعية ولم تكن موجودة في عهد السلطان عبد الحميد, كشخصية الأرمني "هيرام" و "سارة هدايا" و "عمر و"إحسان" , بل حتى شخصية تيودور هيرتزل لم تكن كما صورها المُسلسل أنها مُرابطة في اسطنبول, بل جاء هرتزل مرة واحدة لمُقابلة السلطان عبد الحميد ومُقايضته بالأموال ليبيع بعض الأراضي لليهود في فلسطين, وتم رفض عرضه وغادر اسطنبول مدحوراً.

ولو أن مُخرج المُسلسل ركز أكثر على شخصية المحام اليهودي إيمانويل قراصو, وجعل الدور الرئيس له وليس لتيودور هرتزل في المُسلسل لكان أقرب إلى الحقيقة والواقع, حيث يُعتبر قراصو هذا من أهم الشخصيات التي لعبت دوراً خبيثاً في خلع السلطان عبد الحميد, وكان من ضمن الوفد الذي قام بتسليم السلطان عبد الحميد قرار خلعه.

وايمانويل قراصو - Emanuel Karasu هذا هو محام يهودي من بقايا يهود الدونمة, من سكان سالونيك العثمانية (اليونانية حالياً), كان أُستاذاً في محفل مقدونيا ريزولتا الماسوني, عُين في البداية نائباً في المجلس النيابي العثماني عن مدينة سالونيك ثم نائباً عن اسطنبول.


صورة اليهودي قراصو كما بدت في مُسلسل السلطان عبد الحميد.

صورة حقيقية لليهودي إيمانويل قراصو الذي لعب دور هام في خلع السلطان عبد الحميد.

صحيح أن تيودور هرتزل هو المؤسس للحركة الصهيونية ورئيس الحركة الصهيونية العالمية وأصبح هو الأب الروحي لدويلة المسخ إسرائيل, ولكنه في ذلك الوقت كان هرتزل مُجرد صحفي يهودي مجري يسعى لجمع شرائد يهود أوروبا على أرض فلسطين, وكان يواجه مُعارضة شديدة من قِبل اليهود أنفسهم.

حاول أن يُغري السلطان عبد الحميد بالمال لكي يمنح اليهود جزءاً من الأراضي الفلسطينية وليست كلها لغرض توطين اليهود هناك, مُقابل أن يقوم هو واليهود بتسديد كامل ديون الدولة العثمانية ولكن السلطان عبد الحميد رفض عرضه وقام بطرده, حسب ما ذكر هرتزل نفسه في مُذكراته.

أما زميله الآخر اليهودي إيمانويل قراصو فقد كان مواطناً عثمانياً بحكم أنه من يهود الدونمة, ونشاطه التآمري والتخريبي داخل اسطنبول كان فعالاً وملموساً في عهد السلطان عبد الحميد وما بعده, حيث شغل لاحقاً منصب المُفتش العام للإعاشة أثناء الحرب العالمية الأولى, وقد جنى أموالاً طائلة من خلال منصبه قبل أن يفر لإيطاليا, وقيل في رواية أخرى أن أتاتورك قد نفاه خوفاً من كيده ومؤامرته.


هرتزل على متن الباخرة الروسية "الإمبراطور نيكولاي الثاني" المبحرة من الاسكندرية إلى فلسطين 1898م.

كذلك فإن تصوير شخصية الداماد محمود جلال الدين باشا الجورجي في المُسلسل جاءت على غير الواقع تماماً, إذ لا تمت للشخصية الحقيقية بأي صلة, فقد كانت شخصية محمود باشا الحقيقية صارمة وقوية وعنيدة أيضاً, ولم يُعرف عنه حس الفكاهة والهزل أو الضعف حتى, وربما أراد المخرج إضفاء نوع من الـأجواء الفكاهية على أحداث المُسلسل من خلال تلك المواقف واللزمات الظريفة, وقد نجح, حيث برع الممثل التركي - هاكان بوياف Hakan Boyav - الذي تقمص دور "محمود باشا الكوميدي" صاحب لزمة "أه سنيحة آه", فقد استطاع هذا الممثل التركي إضفاء جو من المرح على أحداث هذا المُسلسل من خلال تقمص تلك الشخصية, ولكن بالقطع تلك الشخصية التي تقمصها لا تنطبق على الشخصية الحقيقية للداماد محمود باشا.


صورة للممثل التركي هاكان بوياف وهو يظهر في لقطة كوميدية في دور محمود باشا.


صورة حقيقية للداماد محمد باشا .. ويُمكن ملاحظة الفرق بين الشخصيتين من خلال المُقارنة بين الصورتين فقط.

وكما أوردت فقد اعتمد المؤلف والمخرج معاً على عوامل التشويق البوليسي والأكشن والمطاردة ومُلاحقة الجواسيس, وبات المُشاهد أمام شخصية "جيمس بوند" جديدة بصبغة سلطانية عثمانية وليس أمام شخصية السلطان عبد الحميد الثاني الحقيقية.

كان بإمكان مؤلف هذا العمل والمخرج أيضاً أن يختارا أي شخصية أخرى أو حتى اختلاق شخصيات وهمية ومن ثم تركيب تلك الأحداث عليها, وفي نهاية المطاف سوف يحظى هذا المُسلسل بكم هائل من المُشاهدين أيضاً, لأن العبرة ليست في كثرة المُشاهدات بقدر ما هي برصانة العمل وبقائه راسخاً في ذاكرة الأجيال كعمل تلفزيوني راق حينها سيُعد من الأعمال الدرامية التركية الخالدة.


فمثلاً لم يتناول هذا المُسلسل بداية حياة ونشأة عبد الحميد الطفل, ومعلوم أن السلطان عبد الحميد عاش يتيماً بعد أن توفيت والدته وهو لم يتجاوز بعد عمر العشر سنوات, حيث توفيت والدته وهي بعمر الـ 33 عاماً، وكانت أمه من أصل شركسي واسمها «تيرمزكان قادين أفندي» وهي الزوجة الثانية للسلطان عبد المجيد, فعُهد بعبد الحميد إلى زوجة أبيه «بيرستو قادين» والدة مُراد التي اعتنت بتربيته وأولته محبتها؛ لذا منحها عند صعوده للعرش لقب «السلطانة الوالدة», كما توفي والده وهو في عمر الـ 18 عاماً، وبعد وفاة والده عاش بكنف عمه السلطان عبد العزيز, وكان عبد الحميد يُحب عمه السلطان عبد العزيز كثيراً ولهذا شكلت عملية انتحاره أو "قتله" بعد حادثة خلعه فاجعة أثرت تأثيراً نفسياً كبيراً على شخصية عبد الحميد - الحقيقة أن السلطان عبد العزيز أقدم على الانتحار ولم يتم اغتياله كما ترددت الأقاويل -.

فقد تأثر السلطان عبد العزيز نفسياً بعد خلعه وأُصيب من حالة من الاكتئاب الشديد فقرر أن يُنهي حياته بقطع شريان يده في غرفة نومه, وحدث هذا الأمر بوجود والدته وجميع نسائه – زوجاته وبناته وجواريه كان الجميع في نفس البيت – وهذا يدحض فرضية الإغتيال بوجود هذا العدد الكبير من أفراد أسرته.

السلطان المخلوع عبد العزيز  الأول وهو ابن السلطان محمود الثاني.

ولكن السلطان عبد الحميد أصر على فرضية الاغتيال وبدأ يستمع إلى ما يُشاع ويتردد من اقاويل حول تلك الحادثة, وهذا الأمر جعله يشعر بالرهاب والخوف من عملية الاغتيال وبدأ يتحين الفرص للانتقام ممن أقالوا عمه السلطان عبد العزيز, ولهذا استهدف كل من عوني باشا ومدحت باشا شخصياً وأعتبرهما المسؤولين الرئيسيين عن موت عمه, ثم تم الحكم لاحقاً على مدحت باشا بالنفي والسجن في قلعة الطائف, وهناك تم خنقه ودُفن في الطائف عام 1883م, وأنا أرى شخصياً أن حادثة انتحار السلطان عبد العزيز هي من أفسدت حياة السلطان عبد الحميد وجعلته يخلق له أعداء كُثر ويُساهم دون أن يشعر بظهور حركة الإتحاد والترقي, التي استلهمت أفكارها من جمعية تركية الفتاة التي كان يُعتبر مدحت باشا من أهم مؤسسيها, حيث يقول السلطان عبد الحميد عن حادثة انتحار عمه السلطان عبد العزيز :

« إني مُقنع الآن بأن عمي عبد العزيز لم يمت مُنتحراً, بل مات مقتولاً, فتقرير الطبيب الشرعي مرن جداً, ويُمكن مناقشته بواسطة أكبر علماء الطب في العالم. كيف يستطيع مُنتحر أن يقطع شرايين ذراعيه الاثنتين؟ لقد لفت هذا انتباه الأطباء في ذلك الوقت. بل وتناوله الأدباء في كتبهم. سطور تثير الانتباه في كتاب "أس الانقلاب" للمرحوم أحمد مدحت أفندي. نُشرت قبل مُحاكمة مدحت باشا بنحو أربع سنوات وأدانته, وأحمد أفندي هذا لم يكن عدواً للباشا, بل كان من رجاله.».[1]

إضافة إلى ذلك كان السلطان عبد الحميد منذ صغره يميل إلى العزلة حيث يروى أن والده كان يصفه بالشكاك الصامت, ولكن حادثة موت عمه السلطان عبد العزيز زادت حالة الشك والريبة والخوف لديه, وهذا ما جعل منه شخصاً مُرتاباً بكل من حوله.

وهناك أمر آخر شكل ضغطاً نفسياً على شخصية السلطان عبد الحميد منذ فترة شبابه, وهو حالة العزل التي مارسها أخيه غير الشقيق - السلطان لاحقاً – مراد بتأثير من والدته الطامعة والتي كانت تخشى من حلول عبد الحميد بدلاً من ولدها مُراد في الحكم, وهذا ما حصل لاحقاً.

ناهيك أن مراد هذا قد تأثر بالأفكار الماسونية كما يذكر السلطان عبد الحميد في مُذكراته, وأصبح ألعوبة بيد الماسونية ثم فقد عقله وأصبح معتوهاً فتم خلعه, وهذا الأمر يُعيدنا إلى مسألة تغلغل الحركة الماسونية وتأثيرها على النخب التركية في نهاية العهد العثماني, قبل بروز الحركة الصهيونية كحركة دينية سياسية تسعى لتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين.

السلطان عبد الحميد الثاني وهو في مرحلة الشباب.

وقد يبدو للقارئ المُتابع أن هنالك ضبابية وعدم وضوح في موقف عبد الحميد - حينما كان أميراً -من عملية خلع عمه السلطان عبد العزيز, وقد يتساءل البعض كيف رضي عبد الحميد أن يتم خلع عمه الذي هو بمثابة أبيه ثم يكون أخيه غير الشقيق مُراد هو السلطان البديل؟ وكيف قبل لنفسه أن يكون ولياً لعهد مُراد, حيث أصبح لاحقاً هو السلطان بعد تنحية مُراد بسبب مرضه العقلي, ومع هذا قام لاحقاً بمُحاكمة من انقلبوا على عمه عبد العزيز ؟
الحقيقة أن عبد الحميد حينذاك لم يكن نافذاً حتى يستطيع إيقاف مُخططات وأطماع أخيه غير الشقيق مُراد,

فقد كان عبد الحميد مُجرد شاب يتيم مُهمش حاولوا عزله عن شؤون الدولة والسياسة كي لا يؤثر على مكانة ولي العهد الموعود مُراد, فكان يجاريه ويُداريه خوفاً من العقوبة والانتقام, وعن حقيقة موقف عبد الحميد يذكر المؤرخ محمود كمال اينال المعروف بابن الأمين, الذي كُلف بتصنيف الأوراق التي خلفها السلطان عبد الحميد في سراي يلديز بعد خلعه, فيقول في مقالة له بعنوان – حول السلطان عبد الحميد – نشرت بعد وفاته في مجلة حياة التاريخية عام 1977 :

« إنهُ سَمِع من ممدوح باشا ناظر الداخلية السابق أن مُراداً عندما كان ولياً للعهد, كان يأتي لزيارته بعض المُنافقين يعرضون عليه خدماتهم, ويبايعونه على السلطنة والخلافة, وكان هو الآخر يسعدُ لذلك, فيتوجهُ بالحديث إلى أخيه عبد الحميد أفندي (السلطان فيما بعد) ويقول له: "أخي, اليوم كسبنا رجلاً مُهماً من بين النابهين". وكان عبد الحميد يُنصتُ إليه مُصطنعاً الفرحة, ويردُ عليه بما يزيد سعادته, غير أنهُ كان يضمُ أسماء هؤلاء الزائرين المُتكالبين على ضمان مُستقبلهم إلى قائمة الساقطين من نظره, فلما اعتلى العرش لم يعبأ بهم.».

وقد عُرف عن السلطان عبد الحميد مزاولة الرياضة وركوب الخيل والمُحافظة على الصلاة والبعد عن المُسكرات, وكان نجاراً ماهراً يُحب مهنة النجارة ومعروف بشغفه في الحفر اليدوي, وقد شيّد ورشة صغيرة في حديقة قصره في اسطنبول, وكانت له اهتمامات مُختلفة من بينها هواية التصوير الفوتوغرافي, حيث قام بتصوير كل أنحاء إستانبول وجمعها في ألبوم يتكون من12  مجلداً، والألبوم الخاص بعدسته محفوظ حالياً في مكتبة الكونغرس في واشنطن في القسم التركي.

كما اهتم السلطان عبد الحميد بالترجمة كثيراً وكان لديه مكتباً خاصاً بالترجمة يعمل فيه 6 مُترجمين وكان مُتابعاً ومُطلعاً على كل ما يُكتب وينشر في الصحف والمجلات والدوريات الأوروبية, ولم يكن رجعياً كما روجت الصحف الأوروبية التي كانت تشن حملات إعلامية ضخمة موجهة ضده لتشويه سمعته ولتحريض العسكر عليه.

ولهذا فإن المُسلسل لم يُلامس حقيقة حياة السلطان في فترة شبابه, وإن حاول الغوص في حياته الشخصية وإبراز الخلافات الأسرية والتنافس داخل قصر الحريم حينما أصبح سلطاناً, إلا أن فترة حكم السلطان عبد الحميد حافلة بالحوادث, ومليئة بالصراعات السياسية خاصة بين القناصل الأجانب الذين كانوا يتنافسون على ترسيخ مصالحهم, وخاصة بين السفير الروسي والبريطاني, وهذا ما لم يتطرق له المُسلسل, بل على العكس أظهر السفير البريطاني والسفير الروسي وكأنهم حلفاء وهذا خلاف الحقيقة, إذ تعرضت السفارة البريطانية للحرق المُتعمد وأتهم السفير الروسي بالوقوف وراء تلك الحادثة.

كذلك مُحاولة السفير الروسي في الأستانة تحذير السلطان عبد الحميد من مساعي الإنجليز في التنقيب عن البترول في العراق بحجة البحث عن الآثار, وهذا ما ذكره السلطان عبد الحميد[2] في مُذكراته. ولهذا أرى أن مُسلسل السلطان عبد الحميد أغرق بالتفاصيل السطحية وبالمُغامرات البوليسية وأهمل الحوادث المهمة والأسباب الحقيقية وراء تدهور الأوضاع ومن ثم خلع السلطان عبد الحميد من خلال تآمر جماعة الإتحاد والترقي ذات التنظيم الماسوني.

لوحة زيتية للسلطان عبد الحميد الثاني في أواخر أيامه.

مُسلسل كوت العمارة :

نأتي الآن إلى مُسلسل "كوت العمارة" وهو عمل درامي مُهم ويُفترض أن يكون دقيق وموثق, لأنهُ يُصور أهم معركة انتصر بها الأتراك على الإنجليز, حيث كبدوهم آلاف القتلى والأسرى, وعليه كان يجب أن يُعد هذا المُسلسل إعداداً جيداً وعدم غمط حق أي طرف آخر, والرجوع إلى الأرشيف العثماني والبريطاني لتوثيق أحداث المعارك وحصر الشخصيات الحقيقية في أحداث حصار الكوت وهزيمة البريطانيين شر هزيمة في تلك المعركة, خاصة وأن هناك قادة ألمان أيضاً شاركوا القوات العثمانية في التخطيط لمعركة الكوت.

لكننا نجد أن المؤلف شرق وغرب واختلق قصصاً وروايات أخرى وحشرها في سيناريو المُسلسل, ولا أدري لم هذا التوسع وتزاحم الأفكار في سيناريو مُسلسل يُفترض به أن يتحدث عن حصار مدينة الكوت وهزيمة الجيش البريطاني الساحقة في تلك المعركة التي دارت رحاها في تلك البلدة العراقية ؟

فقد تم حشر الأرمن في بداية أحداث المُسلسل ثم زج بالجاسوس البريطاني المزعوم كوكس وصديقته فكتوريا, وأيضاً الصحفية الأمريكية إليزابيث, ومن ثم الزج بالمصارع خسرف وولده الأرعن وابنه المُتبنى العنيد حيث يذهب للكوت ليعمل خبازاً هناك, ثم ظهرت لنا فتاة بدوية مع جدتها في الصحراء واتضح لاحقاً أنها مُتعاونة مع رجال الدولة العثمانية. وربما يجهل المؤلف ومُخرج العمل أن الكوت هي بلدة نهرية تربتها طينية ولا علاقة لها بالصحراء, حيث يمر بها نهر دجلة الذي ينبع أصلاً من جبال طوروس جنوب شرق الأناضول.

وقد يقول قائل أن المؤلف يحاول ملء الفراغات في السيناريو وذلك بالتطرق لأحداث أخرى لتكون رديفة لمعركة الكوت, إذ لا يمكن إخراج مُسلسل من عدة حلقات وليس هناك إلا محور واحد وهو  معركة الكوت.

إذن كان عليه أن يبني سيناريو مُنسجم ومتوافق مع أحداث حصار ومعركة كوت العمارة, فلديه معارك دائرة في نفس التوقيت بين ابن رشيد حليف الدولة العثمانية مع ربيب الإنجليز, عبد العزيز بن سعود, وهناك جبهة الشام ومعارك دائرة بين الجنود الأتراك والجيش البريطاني في سيناء, وهناك جبهة الحجاز وتحركات الشريف حسين وأبنائه الذين يقودون التمرد بإيحاء من قبل الإنجليز, كل تلك الأحداث غنية وستكون مُكملة للحدث الرئيس لو كان المؤلف مُطلعاً على تاريخ المنطقة وأحداثها الجسام.

كما يُخطي المخرج في كل مرة حين يُظهر مجسم لمدينة البصرة وخلفها سلسلة جبلية, علماً أن البصرة لا تحوي على أية جبال, باستثناء مُرتفع صغير على هيئة بروز جبلي يُسمى جبل سنام وهو بعيد جغرافياً عن مدينة البصرة, وهذا الخلل قد يحدث لعدم معرفة المخرج بطبوغرافية المنطقة.

ثم يختار المُخرج شخصية "التاجر عمر" كشيخ عربي موالٍ للدولة العثمانية, وبالمُقابل هناك شخصيات عربية أخرى خائنة, كشخصية التاجر إدريس, ولا أدري لِمَ الخلط بين المشيخة والتجارة هنا, ولِمَ يتردد المؤلف في الافصاح عن أسماء الخونة العرب المشهورين والموثقة أسمائهم في الأرشيف العثماني, ومن ناحية أخرى يتجاهل ذكر الشيوخ العرب الشرفاء النجباء الذين كانوا أوفياءً للدولة العثمانية, ثم يلوموننا لعدم تشجيع هكذا مُسلسلات عشوائية وهي غير جديرة بتوثيق تلك المرحلة.


المُمثل التركي هاكان فانلنن - Hakan Vanlı'nın الذي قام بدور كورد أوغلو في مُسلسل أرطغرل, يقوم بأداء دور شيخ عربي خائن يُدعى إدريس.

فهناك نخبة من الشيوخ والأمراء العرب الأوفياء الذين وقفوا مع الدولة العثمانية وفقدوا إماراتهم بسبب تلك المواقف المُضادة للإنجليز, على رأسهم أمير حائل ابن  رشيد, وشيخ المنتفج الشيخ عجمي السعدون, والشيخ سليمان بن رفادة شيخ بلي, والشيخ حسين بن مبيريك أحد شيوخ قبيلة حرب, وغيرهم.

ولو كان للمؤلف خبرة وإطلاع تاريخي على تاريخ تلك المرحلة لما اختار اسم الجاسوس البريطاني "كوكس"؛ لأن السير برسي كوكس لم يكن جاسوساً قط, بل كان ضابطاً رفيع الرتبة في حكومة الهند تم تعيينه في البداية كمقيم سياسي بريطاني في بوشهر, ثم أصبح رئيساً ومسؤولاً عن شؤون الخليج ومنطقة نجد, وبعد احتلال العراق تم تعيينه كحاكم عسكري ومندوب سامٍ على العراق.

ناهيك عن اظهار شخصية ذلك الجاسوس البريطاني المزعوم "باي كوكس" كشخصية خارقة, يصعب هزيمتها في المُسلسل, ولو بحث المُخرج قليلاً في الأرشيف لوجد عدة أسماء من الجواسيس الإنجليز المُستعربين المُهمين جداً من الذين عملوا في المنطقة, وتوغلوا في العراق أبان الحكم العثماني وفي نفس الفترة التي يتحدث عنها سيناريو المُسلسل, وقد ساهموا في تجنيد كثير من زعماء وشيوخ القبائل البدوية العربية وحتى الكردية, أمثال؛ العقيد مارك سايكس والميجر ايلي بانستر سون الذين تنقلا سراً في المناطق الكردية وحرضا الكُرد على التمرد, وكذلك الكولونيل لتشمان أو "لجمن" الذي كان تارةً يتقمص شخصية "درويش موصلي" وأخرى شخصية البدوي عابر السبيل, وهو من جنّد كثير من شيوخ البادية بين العراق والشام.


صورة تجمع العقيد سير مارك سايكس – صاحب الاتفاقية المشؤومة - مع مُتمردين كرد في شمال سوريا.

مارك سايكس في مضارب الشيخ إبراهيم باشا الملي زعيم الكرد الملية.

أما التطرق لجاسوسات الإنجليز فلم يكن المُسلسل بحاجة لشخصيات وهمية كفكتوريا أو حتى الصحفية  الأمريكية إليزابيث, فكان يكفي المؤلف لو أنه استعان بشخصية الجاسوسة البريطانية غيرترود بيل الشهيرة بمسز بيل, التي أصبحت لاحقاً من أهم العناصر الاستخبارية للجيش البريطاني في العراق.


الجاسوسة البريطانية غيرترود بيل مع السير برسي كوكس وصنيعة الإنجليز عبد العزيز بن سعود.

فلو اختار المؤلف شخصية الكولونيل جيرارد افيلين ليتشمان - Gerard Evelyn Leachman؛ المشهور عراقياً بـ"لجمن", والذي قتله الشيخ ضاري المحمود الزوبعي.[3] لكان قد أصاب الهدف بمهارة فائقة, لأن الكولونيل لجمن هذا قد شارك في معارك حصار الكوت من خارج البلدة كرجل استخبارات, وحاول مراراً كسر الحصار وإدخال الأغذية مع بعض الأدلاء وقد فشل, كما أنه قام بتجنيد بعض شيوخ القبائل البدوية, وأصبح لاحقاً هو الحاكم العسكري على الأنبار والموصل.

فشخصية الكولونيل لجمن كان يُمكن أن تُعطي مصداقية كبيرة للمُسلسل لو أن المؤلف قد استعان به بدلاً من شخصية "كوكس" الوهمية, خاصة وأن اسم كوكس يرمز إلى المُقيم السياسي البريطاني في بوشهر, والذي أصبح لاحقاً الحاكم العسكري للعراق, أي أن المؤلف دون أن يقصد سوف يوحي للمُشاهد غير المُطلع على تلك الأحداث بأن الجاسوس كوكس هذا انتصر في نهاية المطاف وأصبح هو الحاكم العسكري العام للعراق بأكمله.


صورة أرشيفية لضابط الاستخبارات البريطاني الكولونيل لجمن وهو بالزي البدوي.

والحقيقة أن حصار ومعركة الكوت كانت صفعة قاسية للحلفاء ولبريطانيا تحديداً, حيث خسروا آلاف الضحايا والأسرى, ويكفي أن قائد الفرقة السادسة البريطانية الجنرال تشارلز تاونسند - Sir Charles Vere Ferrers Townshend قد تم أسره هو الآخر, حيث يذكر الباحث البريطاني مايكل آشر في كتابه - لورانس .. ملك العرب غير المتوج :

"وقد كلفت مأساة الكوت البريطانيين ثمانية وثلاثين ألف قتيل دون أن يجنوا منها مثقال ذرة من النفع السياسي. ولم يسبق للإمبراطورية البريطانية أن تصل إلى هذه الدرجة هبوطاً... الخ. وسيق ثلاثة عشر ألف جندي من الفرقة السادسة الهندية - الإنجليزية إلى الأسر, حيث توفي أكثر من نصفهم. أما مُهندس الكارثة الأول, وهو الجنرال تشارلز تاونسند, فقد هجر فرقته, وأمضى حالة "أسر" كريمة في فندق على مضيق البوسفور برفقة كلابه المُحببة (الحيوانات الوحيدة التي لم تأكلها الفرقة الجائعة). وكان سير تشارلز يكن لكلابه حُباً عميقاً, إلا أنهُ لم يستعلم ولو مرة واحدة, عن حال رجاله. ولم يسخر الأتراك فقط من خطة البريطانيين لرشوتهم بالمال, بل إنهم أيضاً استغلوها في الدعاية السياسية.".

أما الرحالة والصحفي السويدي سفين أندرز الذي كان شاهد عيان على هزيمة القوات البريطانية في كوت العمارة, كونه ذهب إلى العراق ليُغطي أحداث تلك الحرب, لكنه صادف وصول الأسرى الإنجليز إلى الموصل, فيقول :
"وشاهدنا رتلاً [من الأسرى] يتألف من 500 جندي انجليزي وهندي يسيرون ببطء شديد مُغادرين المدينة في طريقهم الى راس العين تحوم فوق رؤوسهم وحولهم سحابة قاتمة من الغبار.. تبدو عند ضاحية المدينة حمراء واجمة بسبب اقتراب الشمس من المغيب، يسيرون أحدهم الى جانب الآخر في موكب جنائزي وكأنهم يشيعون أحلامهم في الهيمنة المطلقة على الشرق.. وكان بين الأسرى قس أيرلندي كنت إلتقيته في بغداد ومرة أخرى في سامراء أخبر أحد المرافقين الألمان للأسرى أن هناك في مستشفى الموصل إنجليز يحتضرون، وحتى الأقوياء من بينهم لا يقدرون على السير في حر الصيف".

ومثلما عانى الأسرى الإنجليز الذين غالبيتهم من الهنود من الجوع والهزال والمرض وتوفي الكثير منهم في الأسر بسبب الاصابات الخطيرة والأمراض, أيضاً عانى أسرى الجيش العثماني هم كذلك الأمرين في مُعسكرات الأسر البريطانية في العراق, ولم يتنفسوا الصعداء قليلاً إلا حينما تم نقلهم إلى مُعسكرات الاعتقال في الهند.


الجنرال تشارلز تاونسند قائد الفرقة السادسة البريطانية التي تم تدميرها بالكامل في معركة كوت العمارة.

أخيراً أنا لست ضد إنتاج وتسويق المُسلسلات التاريخية, بل على العكس تماماً فأنا أطالب بالمزيد من الإنتاج الدرامي التاريخي الرصين وفق ضوابط علمية وإشراف أكاديمي وتدقيق مهني, وشخصياً أستمتع كثيراً عند مُشاهدة تلك المُسلسلات التاريخية ولكن يجب أن نسعى دائماً للأفضل, والحقيقة فقد برع الأتراك في هذا المضمار مؤخراً من خلال أعمالهم الأخيرة, ولكن مؤاخذتي على تلك الأعمال هي عدم اعتمادها على المصادر والمراجع التاريخية الرصينة, ومن ثم التعامل مع المادة التاريخية وكأنها مادة قابلة للتعديل والإضافة والحذف وأحياناً التجاهل.

وهذا الأمر لا يتماشى منجهياً ولا حتى مهنياً مع أُسس التوثيق التاريخي, وأتوقع أن الجامعات ومراكز الدراسات التركية سوف يكون لها رأي حاسم وحازم في هذه المسألة التوثيقية, إذ لا يمكن أن يتحول أساتذة التاريخ إلى مُجرد مُتفرجين على تلك المُسلسلات المشوهة دون إبداء الرأي والنقد البناء, ومُحاولة تعديل مسار السيناريوهات التاريخية القادمة.
انتهى.


[1] كتاب : السلطان عبد الحميد الثاني .. مذكراتي السياسية.
[2] كُنت قد عزمت على كتابة سيرة ومسيرة السلطان عبد الحميد الثاني خاصة وأني قد تطرقت لجزء كبير من حياته وسياسته في كتابي (صنائع الإنجليز – الجزء الأول), ولكن بعد ظهور هذا المسلسل ألغيت الفكرة رغم عدم قناعتي بسيناريو هذا المُسلسل, إذ لا يمكن إعادة اجترار سيرة السلطان في كتاب جديد حتى وإن كانت الرؤية مُختلفة.
[3] هو الشيخ ضاري بن محمود الزوبعي الشمري, يُمكن الرجوع لكتاب: صنائع الإنجليز – الجزء الأول للإطلاع على حكايته مفصلة مع الكولونيل لجمن, وسبب مقتل الأخير على يد الشيخ ضاري.